ابن عجيبة
579
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : جملة : ( ولا يذكرون الله ) ؛ حال من واو ( يراءون ) ، وكذلك ( مذبذبين ) أي : يراءون حال كونهم غير ذاكرين مذبذبين ، أو منصوب على الذم ، والمذبذب : المضطرب المتردد . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر ، وَهُوَ خادِعُهُمْ ، أي : مجازيهم على خداعهم ؛ بأن يظهر لهم يوم القيامة نورا يمشون به على الصراط ، كما يعطى المؤمنين ، فإذا مضوا به طفئ نورهم وبقي نور المؤمنين ، فينادونهم : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ، فيتهافتون في النار . فسمى هذه العقوبة خداعا تسمية للعقوبة باسم الذنب . وكانوا إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى أي : متثاقلين ، لا يريدون بها وجه الله ، فإن رءاهم أحد ، صلوا ، وإلّا انصرفوا ، فلم يصلوا ، يُراؤُنَ بأعمالهم النَّاسَ أي : المؤمنين ، وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ؛ لأن المرائي لا يذكر إلا بحضرة الناس ، وهو أقل أحواله ، أو لا يذكرونه في صلاتهم إلا قليلا ، لأنهم لا يذكرون إلا التكبير والتسليم ، وقال ابن عباس : إنما ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة ، ولو أرادوا بذلك وجه الله تعالى لكان كثيرا . وقال قتادة : إنما قل ذكرهم ، لأنه لم يقبل ، فكل ما ردّ من العمل فهو قليل ، وكل ما قبل فهو كثير . وكانوا أيضا مُذَبْذَبِينَ أي : مترددين ومتحيرين بين الكفر والإيمان ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي : لا صائرين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين . قال قتادة : ما هم بمؤمنين مخلصين ، ولا مشركين مصرّحين بالشرك ، هكذا سبق في علم الله ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي : طريقا إلى الهدى ، ومثله قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . الإشارة : كل من أحب أن يرى الناس محاسن أعماله وأحواله ، ففيه شعبة من النفاق وشعبة من الرياء ، وعلامة المرائي : تزيين ظاهرة وتخريب باطنه ، يتزين للناس بحسن أعماله وأحواله ، يراقب الناس ولا يراقب الله ، وكان بعض الحكماء يقول : يقول الله - تعالى - : « يا مرائي : أمر من ترائى بيد من تعصيه » . فمثل هذا أعماله كلها قليلة ، ولو كثرت في الحس كالجبال الرواسي ، وأعمال المخلصين كلها كثيرة ولو قلّت في الحس ، وأعمال المرائين كلها قليلة ولو كثرت في الحس . قال في القوت : وصف اللّه تعالى ذكر المنافقين بالقلة ، لكونه غير خالص ، كما قيل في تفسير قوله تعالى : ذِكْراً كَثِيراً أي : خالصا ، فسمى الخالص كثيرا . ه . قوله تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ : هذه صفة أهل الدعوى ، المستشرفين على الحقيقة بالعلم ، ليسوا من الخصوص ولا من العموم ، مترددين بين الفريقين ، ومن يضلل الله عن طريق التحقيق ، فلن تجد له سبيلا .